أحمد الفاروقي السرهندي
86
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
الاحكام المنزّلة الّتي لا مدخل فيها للرّأى والاجتهاد لغير التّقليد والإيمان والانقياد واجب فيها غاية ما في الباب أنّ أصحاب القرن الاوّل كانوا برآء من التّكلّفات ومستغنين عن تحسين العبارات وإنّما كان اهتمامهم في إصلاح الباطن وكان ظاهرهم مطروحا عن نظرهم وغير ملحوظ أصلا وكانت مراعاة الآداب في ذلك القرن باعتبار الحقيقة والمعنى لا باعتبار الظّاهر والصّورة فقط وكان حالهم امتثال أمر الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - ومعاملتهم الإجتناب عمّا ليس بمرضيّ عنده صلّى اللّه عليه وسلّم جعلوا آباءهم وأمّهاتهم وأولادهم وأزواجهم فداء له عليه الصّلاة والسّلام ومن كمال اعتقادهم وإخلاصهم لم يتركوا بزاق النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ليقع في الأرض بل كانوا يأخذونه ويمسحونه أبدانهم ووجوههم مثل ماء الحياة وقصدهم شرب دمه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد الفصد من كمال الإخلاص مشهور ومعروف فإن صدرت عن هؤلاء الأكابر عبارة موهمة لسوء الأدب بالنّسبة إليه صلّى اللّه عليه وسلّم عند أهل هذه القرون الّتي هي ملآنة من الكذب والخداع ينبغي أن يحملها على محمل حسن وأن يذهب إلى حاصل العبارة وأن لا يلاحظ الالفاظ من أىّ قسم كانت وهذا هو طريق السّلامة واللّه سبحانه الموفّق ( فإن قيل ) إذا كان في الأمور الإجتهاديّة مجال الخطأ كيف يكون الوثوق بجميع الاحكام الشّرعيّة المنقولة عنه عليه الصّلاة والسّلام ( أجيب ) أنّ الاحكام الإجتهاديّة صارت في المآل وثاني الحال أحكاما منزّلة سماويّة فإنّ تقرير الأنبياء على الخطأ غير جائز فينزل في الاحكام الإجتهاديّة بعد ثبوت اجتهاد المستنبطين واختلاف آراءهم حكم من عند الحقّ جلّ وعلا يفرّق الصّواب من الخطأ ويميّز المحقّ من المبطل فكانت الاحكام الإجتهاديّة في زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزول الوحي وتميّز الصّواب من الخطأ أيضا قطعيّ الثبوت لم يبق فيها احتمال الخطأ فجميع الاحكام الّتي ثبتت في زمنه صلّى اللّه عليه وسلّم قطعيّ محفوظ عن احتمال الخطأ لانّها ثبتت بوحي قطعيّ ابتداء وانتهاء وكان المقصود من الإجتهاد في استنباط هذه الأحكام هو أن يحصل للمجتهدين والمستنبطين أنواع العناية وارتفاع درجات الكرامة وينال المصيب والمخطئ ثوابا على تفاوت الدرجات ففي الاحكام الإجتهاديّة ارتفاع درجات المجتهدين وقطعيّة تلك الأحكام نعم إنّ الاحكام الإجتهاديّة بعد انقراض زمان النّبوّة ظنّيّات مفيدة للعمل لا مثبتة للاعتقاد حتّى يكون منكرها كافرا الّا أن ينعقد إجماع المجتهدين على حكم فيكون حينئذ مثبتا للاعتقاد أيضا ولنختم المكتوب بالخاتمة الحسنة في فضائل أهل بيت الرّسول عليه وعلى آله وأصحابه الصّلاة والسّلام روى ابن عبد البرّ أنّه قال عليه وعلى آله الصّلاة والسّلام " من أحبّ عليّا فقد أحبّنى ومن أبغض عليّا فقد أبغضني ومن آذي عليّا فقد آذاني ومن آذاني فقد آذي اللّه " وأخرج التّرمذيّ « 1 » والحاكم « 2 » وصحّحه عن بريدة « 3 » قال قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم : " إنّ اللّه
--> ( 1 ) - محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي البوغي الترمذي أبو عيسى من أئمة علماء الحديث وحفاظه تتلمذ للبخاري وشاركه في بعض شيوخه ورحل إلى خراسان والعراق والحجاز وعمي في آخر عمره وكانة يضرب به المثل في الحفظ من أهم مصنفاته ( 2 ) - محمد بن عبد اللّه بن محمد بن حمدويه بن نعيم بن الحكم الضبي النيسابوري الحاكم ( أبو عبد اللّه ) محمدث حافظ مؤرخ ولد بنيسابور ورحل في طلب الحديث ن وسمع على شيوخ يزيدون على ألفي شيخ وحدث عن الأصم وعثمان بن السماك وطبقتهما من أهم مصنفاته : المستدرك تاريخ نيسابور الإكليل في الحديث تراجم الشيوخ فضائل السيدة فاطمة الزهراء - رضي اللّه عنها - وغير ذلك . توفي سنة 405 ه . انظر : سي أعلام النبلاء 11 / 36 وفيات الأعيان 1 / 613 لسان الميزان لابن حجر 5 / 232 المختصر في أخبار البشر لأبي الفدا 2 / 151 . معجم المؤلفين لكحالة 3 / 453 . ( 3 ) - بريدة بن الحصيب بن عبد اللّه بن الحارث الأسلمي : من أكابر الصحابة أسلم قبل بدر ولم يشهدها وشهد خيبر وفتح مكة واستعمله النبي صلى اللّه عليه وسلم على صدقات قومه وسكن المدينة وامنتقل إلى البصرة ثم انتقل إلى مرو ومات بها سنة 63 ه . تهذيب التهذيب 1 / 432 الأعلام 2 / 50 .